الثلاثاء، 14 أغسطس 2012

الخط العربي والعصر الرقمي


الخط العربي والعصر الرقمي



مصطفى الخلفاوي  | نشر بجريدة العرب القطرية بتاريخ  2012-08-03

 نحن الآن نعيش عصر التقنية الرقمية في كل زوايا الحياة والحديث عن الخط العربي في عصرنا يحتاج لقراءة متعددة، لكن لا يمكن إغفال أن لغة اليد وتعبيرها عن فكر الفنان ومعطياته الفنية والوجدانية هي الأداة المسطرة لمعاني الإبداع الجوهري والحقيقي دون سواها في لوحة الخط العربي.
    لو أخذنا مثلا برنامج الفوتوشوب أو برنامج يكتب حروفا للخط العربي هل نسميه فنانا أم أنه أداة معينة لتصميم عمل محدد فهو برنامج يصمم، وإن كانت الرؤية لا تتم إلا من المستخدم، إلا أن العمل لا يمكن تصنيفه ضمن فنون الخط العربي الفنون؛ لأن الآلة أصبحت عنصرا فاصلا وحذفت أداء ولمسات الخطاط الوجداني في حركة حروفه ووضعت بدلا من ذلك حروفا صماء منزوعة الإحساس ومتكررة في اللوحة كأننا أمام شيء مصنوع.
   إن لوحة الخطاط تعكس الحالة الجماعية لتراكمات الانفعالات والمواقف في اللحظة الإبداعية باللوحة فلو تم استخدام التقنية أيا كان نوعها كمبيوتر أو تصوير رقمي وتجميعها في عمل خرج العمل الفني من دائرة العمل الإبداعي ودخل إلى دائرة التصميم الجرافيكي.
    إن الحرف من الفنان أو الخطاط الباعث للفكرة أو الومضة والمتلقي باعتباره المبصر للفكرة يعمق للفن اليدوي المعبر عن خواطر وإدراكات الخطاط فمثلا لوحة خطية استخدمت بها أحبار ألوان تتجلى حركة وروح الخطاط بحروفها فتظهر قوة وإبداع كاتبها وإلا أصبح مجرد حروف كرتونية صماء تتحرك كألعاب الأطفال في لحظة الاستحضار لكلمة بطريقة برمجية تنهي قيمة المفاجأة والومضة عند الخطاط في لوحته أن أكبر شيء قضى على الإبداع بالنسبة للخط العربي هو تكرار الحروف دون تمايز يعبر عن يد الفنان ولحظات شعوره الفني.
    لو أخذت لوحة بطريقة الماسح الضوئي (الاسكنر) وتخزينها وطباعتها على ورق فخم أو ما شابه هل هذه اللوحة تلغي الأصل أم يبقى للوحة الأم القيمة العليا أدبيا وماديا.
    التقنية في العصر الرقمي ليست شرا لكننا نقدم رؤية نراها أقرب للصواب في عصر اختلطت فيه الأمور لنحدد ما هو تقني وما هو فني خالص يمكن اقتناؤه عبر العصور.


بين التدوين والجمال

بين التدوين والجمال



مصطفى الخلفاوي |نشر بجريدة العرب القطرية بتاريخ 2012-07-20

إن الحديث عن جمال الخط العربي يستدعي الذاكرة الإبداعية حتما للحضارة العربية ويدفعنا دوما لحالة من التأمل الوجداني في تجليات عبقرية الفنان المسلم ولا يخفى على الجميع أن الخط بدأ كأداة للتدوين والكتابة شأنه شأن أية لغة أخرى. لكن إحساس العرب في لحظات البناء والانطلاق الحضاري بأن الخط رسول الفكر دفعت الفنان العربي إلى التطوير إيمانا بسمو القيمة الإنسانية للفن ونفورا من موروثات قد تتعارض ومنطلقات العقيدة الجديدة التي رسخت لمفهوم التوحيد كأساس للإيمان بالله والبعد عن التجسيد والمنحوتات.
انتقل الخط من مرحلة الكتابة التدوينية إلى فن يعبر عن فلسفة الحضارة العربية، بجانب الزخارف الهندسية والنباتية المتنوعة، والتي جاءت أيضا تعبيرا وتكميلا للرؤية؛ فاتسقت جميعها في مفهوم وفلسفة ورؤية هذه الحضارة.
لقد جاء الخط العربي تعبيرا عن فن منفرد؛ فاتسمت حروفه التي مرت بقرون من التطوير والإتقان بسمات هذه الثقافة على مر الزمن، حتى وصل إلى قمة الجمال في العصر الحديث، ولم يكن هناك أي تأثير خارجي على هذا الفن العربي الخالص، بل كان تجرداً مطلقاً للفنان في مخيلته الإبداعية؛ ليخرج حروفا تنطق بالمحكمات في التأثر والإيقاع الموسيقي المتناغم لكنه في شكل حروف معبرة بصورة أخاذة.
إن الكتابة والتدوين لا يمكن فصلهما عن محتوى العقيدة التي آمن بها الناس في ظل انتشار الإسلام على سطح المعمورة، وقد كان الخط العربي فنا معبرا بعيدا عن التقديس وحاملا للثقافة؛ ليتم تداولها بين أفراد المجتمع فجاء هذا الاجتهاد تعبيرا عن إدراك الفنان لمفاهيم الجمال، وضرورة أن يصل بهذه الرسالة إلى العالمين في عصر لم تتوفر فيه أية تقنية أو تكنولوجيا معاصرة.
وإذا كانت الفنون تتلاشى مع البداوة، وتزدهر مع التحضر، فقد كان الخط العربي خير مثال على ارتقاء التحضر وقيمته لدى العرب في مراحلهم الحضارية بعد الرسالة مرورا بالعصور المختلفة.
لقد استقرت عبقرية الخطاط العربي أن يضع مجموعة من المعايير والأصول اصطلح عليها فيما بعد بـ «قواعد الخط العربي» وهي تلك المفاهيم والتصورات التي اجتهد لها السابقون للوصول للحظة الإتقان والإبداع في أروع صورها. وكما مر الشعر بمدارس ومراحل تاريخية متعددة منذ نشأته حتى يومنا، كذلك الشيء نفسه حدث مع الخط العربي، لكن الخط العربي بقي محافظا على تفرده كفن مستقل ومعبر عن الهوية العربية.
فكان انتقال العرب الأوائل لمدينة الكوفة تمددا حضاريا، يكشف قوة واتساع الدولة العربية الإسلامية، وجاء اسم (الخط الكوفي) تعبيرا عن مراحل التطور والازدهار آنذاك، واستخدمت تقنيات حديثة تعبر عن رقي الدولة الإسلامية، واستخدم الخط الكوفي على كل الأصعدة في دواوين الدولة، فانتشرت الكتابات الكوفية في المصاحف والبنايات كالمساجد، والأماكن العامة، ورسائل الخلفاء والملوك؛ ليبقى عدة قرون، حتى جاء خط النسخ بجماله وتطوره الحضاري الملازم لتلك المرحلة، فحل محل الخط الكوفي وبدأت مرحلة جديدة من مراحل تطور الخط العربي.
كانت البدايات للخط حروفاً دون نقاط، وظلت فترة من الزمن على هذا المنوال، حتى جاءت مرحلة تاريخية تتطلب وضع النقاط بعد دخول أعداد كثيرة من العجم في الدين الجديد، وهذا هو التطور الطبيعي للحركة البشرية والعمران.
تفرد الخط العربي دائما تفردا بديعا يدهش المتأمل المدقق والقارئ العابر؛ فالخطاط يستخدم من قلمه المقاس والمسطرة ليصنع بهما أشكالا مختلفة بين دائرة ومربع وبقية الأشكال الهندسية، تعبيرا عن إبداع ورؤية الفنان العميقة بأشكال متعددة تثري المشهد الفني، فلا يمكنك مثلا رؤية هذه الإبداعات في الخط اللاتيني أو أي جنس آخر من الخطوط بهذه العظمة، ومع هذا رأينا اهتماما في الغرب والشرق كالصين واليابان بفن الخط، ورغم ثرائنا نحن بمخزون ثقافي عظيم، فإن الحفاظ على الثقافة والهوية الخاصة بهم دفعهم لنشر هذا الفن بين أجيالهم بصورة واضحة، بينما نحن ما زلنا نتردد كثيرا في الاستزادة من معيننا الثقافي بصورة عصرية يمكن أن تكون لنا معينا في عالم أصبح (معولما) ثقافيا وفكريا -إن صح التعبير- وأمسى لا يرحم الضعفاء أو المترددين.
لقد برهن الفنان العربي على مر تاريخه الطويل أنه استطاع أن ينقل الكتابة من مادة للتعبير والتدوين إلى فن راقٍ اكتملت فيه صور الجمال وتعددت الزوايا الفنية فيه بلوحاته الشاهدة وهو أمر يجب أن يتأمله المرء كثيرا فهل يمكن لنا بعث هذا الفن بصورة حقيقية وفاعلة تهذيبا للنفس وسموا بها نحو الارتقاء الشعوري والقيمي؟
تعبير صادق منذ آلاف السنين
«الخط هندسة روحانية، ظهرت بآلة جسمانية». إقليدس